السيد الطباطبائي
111
مجموعة رسائل العلامة الطباطبائي
ثمّ قال سبحانه : وَما يَسْتَوِي الْبَحْرانِ هذا عَذْبٌ فُراتٌ سائِغٌ شَرابُهُ وَهذا مِلْحٌ أُجاجٌ وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْماً طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَها وَتَرَى الْفُلْكَ فِيهِ مَواخِرَ « 1 » ، فبيّن سبحانه سبب اختلاف مجاري أفعال السعداء والأشقياء ، فأفعال أحد الفريقين يصعد إليه سبحانه ، وأفعال الآخر تهلك مع أنّهم جميعا مخلوقون من تراب ، ثمّ من نطفة ، وهم أزواج بأنّ الاشتراك في بعض الجهات العارضة ، والفوائد المترتّبة لا يوجب الاستواء بعد ما كانت الذوات مختلفة الأصول ، فبعضها من البحر العذب ، وبعضها من البحر المالح ، ويستشمّ هذا المعنى من قوله تعالى : وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هذا عَذْبٌ فُراتٌ وَهذا مِلْحٌ أُجاجٌ وَجَعَلَ بَيْنَهُما بَرْزَخاً وَحِجْراً مَحْجُوراً * وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْماءِ بَشَراً فَجَعَلَهُ نَسَباً وَصِهْراً وَكانَ رَبُّكَ قَدِيراً « 2 » . وقال تعالى : وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ * لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلى بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعاً فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ « 3 » . فأخبر سبحانه بأنّ المشتركات من الأفعال التي يوجد في جميع الموارد ، كما ذكره فيما سبق من الآيات ستميز وتجمع كلّ إلى ما يشاكله ، ويلحق بأصله بعد ما خلطت ومزجت في هذه الدنيا ، وقد قال تعالى : الْخَبِيثاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثاتِ وَالطَّيِّباتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّباتِ « 4 » . ثمّ قال تعالى حكاية عن أهل الجنّة : وَقالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنا وَعْدَهُ
--> ( 1 ) فاطر 35 : 12 . ( 2 ) الفرقان 25 : 53 و 54 . ( 3 ) الأنفال 8 : 36 و 37 . ( 4 ) النور 24 : 26 .